حوار مع الشاعر والكاتب المسرحي المبدع محمد علي الخفاجي

كتبهاعلي عطوان الكعبي ، في 14 كانون الثاني 2008 الساعة: 20:23 م

                               

 

 

حاوره: علي عطوان الكعبي

 

_فيما عدا النقد العربي، النقد العراقي لم يترك لناإرثا قيما،ولم يؤسس له مدرسة

_ان قصيدة النثر هي العنصر البدائي الاولي لنظم الشعر..وهي تلقى الترحيب لالشرطها الابداعي وانما مجاملة للحداثة..

_لابد للشعر-كفنّ احاديّ- ان ينضم الى غيره من الاجناس ،في بنية جامعة يمثلهاالمسرح

 

***

حكمته ظروف الغياب،فغاب اختيارا،مدة تجاوزت ربع قرن من الزمن ،وفاء لشرف الكلمة والموقف ،لكي لايختلط صوته بنعيق الاخرين ..وحين اراد العودة..عاد حاسرا مرفوع الراس نقي الجبين طاهر القلب ،مارّا بصوته رغم الضجيج: (سوف اقطع هذي الطريق/الى اخر الخوف/ثم ابكي على وطن/قيدوه على جمل/ظل يمشي جنوبا..) لم يكن شاعرا مبدعا،فحسب بل كاتبامسرحيا متميزا يمسك بخيوط هذا الفيض الابداعي نثرا وشعرا .. الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي،عن رحلته الطويلة مع الكتابة والشعر كان هذا الحوار:               **بعد كل هذا التنوع الابداعي عبر اكثر من خمس مجاميع شعرية ونثرية .هل وصل محمد علي الخفاجي الى ضفاف الطموح ؟              

_ليس للطموح من ضفاف..ولذا فالعوم مستمر وما التطورالحاصل بين تجاربي الاولى وتجاربي اللاحقة الا ما سجله الفارق التاريخي الذي ظل يتضمن التنقيح المستمر لعلاقة اللغة بالتجربة والحدث الخيارات .وهو بالتاكيد ليس اعتباطيا صرفا بقدر ماهو مؤسس على قصدية ومتابعة لتطوير قدرات التعبير الفني بصفته نشاط انساني واسع يرتفع بمرور الزمن من السذاجة الى  الحكمة ومن الذاتية المحضة الى الاتصالية .هذا في الشعر .امافي المسرح فقد اتجه تطبيقيا عكس ذلك .اذ ظل الشكل التعبيري في الدراما في حالة انحلال مستمرمنذ تدنى التعبير من الشعرية الى النثرية والوصف بحجة الانتقال من التعبير الادبي الصرف والتركيز في الى الفعل والحركة ومن التلقي الرفيع الى المحادثة بصفتها العمامل الحاسم في التقديم والمشاهدة.لقد اذعن كتاب الدراما للنثرية كثيرا قانعين بالملمح السطحي للتعبير اللغوي .

        **اذا كان للمكان حيز في الابداع فهل كانت مدينة كربلاء الحاضن ام الرافد بماذا تدين لها وبماذا تدين لك؟

_لقد اتخذت كربلاء مني شكل التاريخ الثقافي الخازن بداخله للعوامل الحاسمة للمتغيرات والمحددة للاتجاه .لقد منحتني كربلاء مبدئية الجمال والتراجيديا حتى غدا ماهو مقنن بالمحلية والجغرافيامكيفا انسانيا وتاريخيا .غير اني خاصمت كربلاء عدة مرات وانفصمت عن عراها وتحولت من وجهات النظر الى نقيضها ،خروجا عن سهولة الانقياد المسرفة لتلقي اسقاطات الارث التاريخي كشرائح مجففة ووقورة ،لاعود اليها ثانية اصفى بصيرة ولاراها اكثر يفاعة وانا احاول الاقتراب اكثر فاكثر من" قيعانها" دون ان ادري اين سأرسو واين ستكون محطتي الاخيرة

**تشكل مسرحيتك (ثانية يجيء الحسين) محطة مهمة في منجزك الابداعي ،ترى لو قيض لك ان تكتبها الان فما الذي سيستجد ؟

-اعيد كتابتها ثانية واطلب اخراجها في ساحة عامة لكي اكسب فورية التلقي وحاضرية التاثير،سوف اتجلى متداخلا بالفعل الدرامي حين اكتب ،وازيد من البدائل المسرحية لبعض النصوص الواردة فيها خاصة وانني كنت قد كتبتها سنة 1967م .اريد ان احقق فيها ثقافة اكثر تقدما ومعاصرة بارزة .

** من برايك استطاع ان يصل ضفاف واقعة الطف ،غير محمد علي الخفاجي في المسرح الشعري ؟           

_لااحد يستطيع الوصول الى ضفاف واقعة،بما فيها واقعة الطف،لان الواقعة ،اية واقعة،لاتمثل استقلالا زمنيا في التاريخ فهي ناشئة بالضرورة ضمن سلسلة من الوقائع .وان الكتابة عن واقعة ما  مهما طالت فهي محدودة نسبيا لاتستطيع تحويل كم هائل من النتائج الى حبكة واحدة بقدرةمسرحية مميزة واستلال هذه الواقعة بالذات دون غيرها حيث ندير ظهورنا لباقي الوقائع والظواهر لاماتة نبض الحياة .لقد كانت مسرحية (ثانية يجيء الحسين )،بعيدا عن المباهاة ،هي افضل نص تناول الحادثة وعالجها مسرحيا وذلك لانني ابن المكان .فانا ابن كربلاء الحزن والحادثة ..الاسقاط والتاريخ الحاضر واستدعاءتاريخ الحاضر . 

**مثل انقطاعك الادبي فترة امتدت لاكثر من ست وعشرين سنة .ماهي اسباب هذا الانقطاع وكيف استطعت ان تختصر كل هذه الفتره الزمنية لتعود مبدعا سواء في المسرح ام في الشعر على مستوى كتابة القصيدة ؟

 

_لقد انقطعت عن الكتابة كل هذه الفترة بسبب ان حياة خاطئة في واقعها وعاجزة عن تقديم الانعكاسات المؤسفة كانت سببا في توقفه ،الا ان الكثير مما اختزنته من ثقافات بطرق عدة والذي ظل ماثلا في اساسته ابقى على المبادرة الفردية دائما في الصدارة كقوى داخلية دافعة

للحركةساعة معاودة النشاط .وفي النهاية انتصرت الضرورة وعاد الادب يؤكد ذاته تدريجيا حتى كانت عودتي الكاملة بهرع سريع وبتصميم قدري للحاق بالقافلة .

**في قصيدتك الجميلة (شعراء القيام )،التي القيتها في مهرجان الجواهري، الكثير من الحزن والبوح الشخصي ،وقد بان ذلك في انشادك القصيدة .ماذا تمثل لك القصيدة ،وهل لها خصوصية معينة ؟   

 

-"شعراء القيام"نص شعري جمع شظايا متناثرة من الروح والواقع سقاها شعرا وكانه القى حجرا في مياه ساكنة،اذ اثار الكوامن واستنطقها وحرك النسيان فكان البوح مفعما بالحزن عن اشياء فقدت الىالابد استجابة للنوازع المتحدثة داخل النفس وتريد لحديثها ان يصل سواء بالاحساس ام بالاخبار والفرجة .دائما هناك اسرار تنجو من الكتمان بالهزيمة نحوالبوح فيلقى عليها القبض شعرا ،ودائمااستند الىجدار في داخلي لاتذكر فيجيء الشعر

 

**بماذا تفسرانحسار مساحة التلقي ؟وهل ترجع ذلك الى الشاعر ام الى الشعر؟ام الى المتلقي ؟

 

-الى كل هؤلاء ..للشاعر الذي ظل يثقل قصيدته بتلفيقات التجريب والشكلانيةالبحته بردائها المزوق اذ اصيبت مساحة التلقي بالتقلص المستمر فابعدتها عن الفهم ،ولتسارع الزمن ولانشغال المتلقي عن الثقافة بمساعيه الخاصة ولما استجد من مشاكل في الشكل الفني حللته الى فراغ لامحتوى له .لقد تخلى الكثير من النصوص عن مضامينه بوصفها اهداف ومحولات لادامة الصلة بين الانسان وما يحيطه ،وهو تقصير يتهم به المبدعون لانهم بذلك انما يسهمون في تاخير التقدم الثقافي للمجتمع الانساني عامة

 

**قلت في احد لقاءاتك ان البقاء للمسرح وليس للشعر ،فكيف تفسر ان المسرح ابتدأ شعريا و(ان الشعر اداة لاغنى عنها لفن مسرحي رفيع) كما يقول الدكتور عبد الستار جواد؟

-بالفعل فالبقاء للمسرح بعد ان يصبح الشعر حالة اخرى يتحول فيها من تجارب عاطفية أحادية الصوت الى تجارب كونية متعددة الاصوات والمهيمنات ،قائمة على التصادم والتضاد .ان العالم والعصر يقترحان التركيب هوية لهما .اذن فهما دائما في حالة من التحول والصيرورة بغرض الافصاح عن مركب جديد هو اكثر رقيا .ولابد للشعر كفن احادي ان ينضم الى غيره من الاجناس في بنية جامعة لها وهو المسرح .فالمسرح بناء هرمي معقد ومرتب تتضافر على خلقه كافة الفنون والاداب ،وبما ان الشعر وسيلة تعبير رفيعة تقدم آلية ذكية وممتعة لنقل درامي فيه الكثير من الرفعة والمهابة فان عليه هو بالذات ان يلتحق بالدراما كفن مستقبلي لانه في الاصل فن المدينة نشأ فيها بينما نشأ الشعر في البادية .واذا كانت مجتمعات البدو قد انشدت فان مجتمعات المدينة قد كتبت.وبما ان المدينة مستقبل الريف فان فنونها حتما هي مستقبل تلك الفنون

**وهل سيتخلى الشعر عن كينونته ،بمجرد ان يصبح"تجارب كونية متعددة الاصوات "ثم انك هنا تؤكد ان ينضم الشعر الى المسرح باجناسه الاخر ،وهذا ما ينفي تماهي الشعر، فضلا عن انه سيكون فاعلا مضافا ؟

-نعم قد يتخلى الشعر عن كينونته اذا تامل الفهم العربي طويلا ومتأنيا امام مفهوم التمسرح محاولا المواءمة بين الشعرية كلغة منثالة وقوانين الصراع ومهيئا للانتقال من الحس الشعري الى الفكر المسرحي ان التحاق الشعر بالدراما يكسبه الكثير من الرقي والتعفف من مد يده الى انجازات الغير بقصد الكدية والاستعارة خاصة اداب الامم المتقدمة واذا كان العرب قد جهلوا التعبير الدرامي لانهم لم يتوفقوا الى اعطائه لغة مناسبة ،كما يقول جاك بيرك ،فان معرفتهم بفنون الشعر ايضا هي ليست عميقة الجذور واذا ما علمنا انها بدأت من قرن ونصف او قرنين قبل الاسلام .اذن فمن المحتمل جدا ان ينتبه العرب الى ان يتخذوا من الشعر واسطة الايصال والاتصال الاجمل للرسالة القادمة خاصة وهم يطلون على مستقبل مدني وحضاري قادم و لعلنانجد في آداب الامم التي سبقتنا خير مثال لما نقول ففي اوربا بدا الشعر ياخذ بالضمور ازاء تقدم السرديات في الرواية والدراما .والشعراء هناك اقل عددا من القصاصين والروائيين والمسرحيين  

  **كيف ينظر محمد علي الخفاجي الى قصيدة النثر ؟ايعدها من جنس الشعر ام يعدهامن جنس ادبي آخر؟

-في رايي ان قصيدة النثر هي العنصر البدائي والاولي لنظم الشعر ولعلها واحد من ادوار الاستحالة الاولى التي مرت بها القصيدة فبل ان تصبح بالصورة التي آلت اليها (اداب وادي الرافدين ..مصر القديمة ..)واذن هي ليست خلقا جديدا الا بما اضافه عليها مسار التاريخ وعندي هي ليست قصيدة وانما هي نثر فني مركز او مكثف ،والكثافة خاصية قالت بها" سوزان برنار"،يعتمدخداع البصر في مشاكلته لقصيدة التفعيلة وانتزاع الاعتراف منها سلفا،انها محاولة لازالة القداسة عن القصيدة في ردائها الرصين .هي الان تلقى الكثير من الترحيب حيث الصحافة الادبية مهووسة بها لالشرطها الابداعي وانما مجاملة منها للحداثة ومسايرة مايرد فيها ولخوف تلك الصحافة من وهمها بتهمة التخلف عن مسايرة مايستجد .لقد اثقلت "قصيدة النثر "من قبل البعض بالكثير من الهرطقات والظلمة ،معطلة الايحاء والشفافية ،وكأن ذلك محاولة لاغتيال المعنى والاكتفاء بالصوتي دون الدلالي مما جعلها فضاءًفارغا ومليئا بالعزلة ،وهذا بحد ذاته طرد لعظمة وقدرة الشعر .ان ماسطره البسطامي والنفّري وجلال الدين الرومي ومولوي وجبران ونعيمة وغيرهم من من نثر هو اجمل من كثير مما نقراه اليوم

**إذن فانت ترى ان الشعر ،بصورة عامة،قد تراجع الى ادوار استحالته الاولى ،واننا انمانعود الى الوراء استكمالا للحلقة المفرغة ،بناءً على هذا الراي؟

-مع عدم اغفال العامل التاريخي في الاضافة وطرق المعالجة وفيما عدا ذلك فان واقع المنشور لما اصطلح عليه بقصائد النثر،هذه الايام دلالة بليغة على ذلك والتاريخ صورة تتردد ولاجديد تحت الشمس ولعل ملحمة كلكامش والنصوص القديمة التي نسوقها الان شواهد واضحة:

1-يهرب قلبي \فيصعد كالطير في السماء\انت كالحمامة\وانا انحب كل يوم

(نص بابلي ص351 ألحياة اليومية في بلاد بابل)

2-الحكمة تنادي في الخارج \في الشوارع تعطي صوتها \تدعو رؤوس الاسواق \في مداخل الابواب \في المدينة تبدي كلامها \تقول ارجعوا عند توبيخي \هاانذا افيض لكم روحي

(ص3سفر الامثال)    

3-ان دورة الرمال \تنغلق على بلورها \والبوم الخائف\يمسك نعيبه\اية نبوءات قاتمة تلك

(القرن الثالث الهجري)

4-خرجت على الضوء\فخرج ظلي علي

(ابن عربي)

5-كلما اتسعت الرؤية \ضاقت العبارة  

(النفّري)

6-اديب يخاطب فلاحا\محراثك من حديد \ومحراثي من قصب\وحقلك من تراب \وحقلي من ورق\وما الفرق الا في انك تبذرمن كفك\وابذر من قلبي \فتزرع لتأكل\وأزرع لأؤكل

( القرن التاسع عشر)

هذا اضافة الى ماتركه لنا القران الكريم ونهج البلاغة ومختلف الادعية وادب المتصوفة

**في ضوء اهتمام النقد الادبي بالنظرية النقدية والمنهج النقدي بدرجة اكثر من اهتمامه بالاثر الابداعي ،ماانعكاسات ذلك على المبدع والابداع ؟

-فيما عدا النقد العربي فان النقد العراقي ،وخاصة الستيني منه،لم يترك لنا ارثا قيماومهما فهو لم يؤسس له مدرسة ولم يخط له نهجا وعلى هذا ،فهو لم يقدم شيئا مستقلا لانه ظل لدى محترفيه نشاطا تعقيبيا وتابعا لما يفد من مدارس ،يردد محفوظاته النقدية ويكرر ملفوظات سبق ان قيلت .وهو بمجرد اطلاعه على الجديد من المدارس يغادر احكامه ومفردات صيغه سريعا دون سلوك علمي لمراحل التطور كالذي حدث في انتقالته الى المدارس الالسنية الحديثة مفاجأة.لقد توقف النقاد العراقيون مذهولين امام بنيويات الشكل مرهفين السمع لما يمليه عليهم البنيويون الغربيون والشرقيون(مدرسة براغ والشكلانيون الروس..وغيرهم)فلم يقدموا تفسيرا للنص اكثر من احصائيات وخرائط يابسة يتخثر فيها روح العمل الادبي دون محاولة الانتباه الى ثريا النص وماينعكس على عموم تماسكه في القصيدة مهملين عملية التغلغل والتداخل فيه .ولعلهم ضلوا الطريق السوي الى قاسم مشترك حين اعتمدوا آليا نظرية (بارت)الذي سبقه الى ذلك الامام علي قبل قرون في قوله ان النص حمالة اوجه(ولاتجادلهم في القران فانه حمالة اوجه)فتاهوا عن جادة التفسير ،اضافة الى انهم ظلوا متابعين احاديين لفنون احادية كالشعر والقصة دون ان يلجوا دخائل الفنون المركبة كفنون المسرح والسينما ..وهم بعد ذلك يتهيبون تجارب الشباب اذ اقتصرت دراساتهم على شعراء معروفين اصبحت تجاربهم واضحة ومفهومة صارت مفاتيحها بيد الجميع كالسياب ونازك والبياتي وبلند الحيدري وامثالهم .لقد عجزوا فآثروا الراحة على التعب والكسل على الجد

**كيف تستقريء حال الادب في ظل التغيير الحاصل ،وكيف لنا ان نجعله مؤثرا في الواقع؟

-ارى آنيا ان الادب ضعيف العلاقة بواقعه الجديد بتسارع النبض والضربات لانه عديم الثقة به .فحينما انتقل الواقع الى الوضع ا لجديد سريعا فوجيء به الادب وظل  مبهوتا في مكانه .ونتيجة لانعدام الرابطة بين المبادرة الشخصية والحدث التاريخي ..بين التعبير الخارجي والتحول السلوكي للفرد والذي يتطلب زمنا وتجربة بقي الادب في مكانه الى ان تُغلغل الحرب نتائجها في واقع ما بعد الحرب في خلق شخوص اخرين ومصائر ،حيث يولد الفرد التاريخي او الشخصية التاريخية التي تتدخل متميزة بعلو في نقاط الرؤية ومتخذة صفة النمذجة المتاثرة بالحدث الجديد .عندها يتضح تاثير الفعل الثقافي في موازنة موضوعية للفعل الانساني وتظهر قدرة الادب في احتلال الموقع اللائق

**ولماذا يرتبط الادب بميلاد الفرد التاريخي ..اليس هو نتاجا جمعيا ؟

-الفرد التاريخي هو ايضا نتاج جمعي وهو بيضة امه ومخاض جماعة فالمصلحون والقادة العظماء والائمة والثوريون الحقيقيون والعباقرة ،رسل وائمة ومفكرون ،هم خلاصة المعاناة الجمعية للامة

**ماذا اعطاك المسرح على مستوى القصيدة ..وايهما اغنى الاخر؟

-لقد كتبت القصيدة وكتبت المسرحية ومن تجربتي لكتابة هذه وتلك علمت ان ليس هنالك استحالة في معرفة العناصر المشتركة بينهما رغم فارق الشكل والالية والمعالجة والتوجه رغم ان الشعر ينحو دائما منحى الاختزال بينما يسلك المسرح مسلك التفصيل .ففي حين تكون القصيدة بثاً تكثيفيا متداخلا بالذات ومنكفئا عليها تهتم المسرحية ،كفن درامي يرتكز كليا على الحوار ،بالموضوع والحبكة القائمة على ادق التفاصيل والانقسامات والتعارضات .وهنا تكمن المفارقة والمعادلة الصعبة وذلك بالتوفيق بين مايتطلبه الشرط التكثيفي للشعر وبين ما تفرضه الخاصية التفصيلية للمسرح ،أي كيف نضيف وعيا للاشعور .او كيف نوقظ الغياب ونقود الحلم الى الواقع ،كيف نوفق بين الانثيال في القصيدة وبين التخطيط المسبق لفعل درامي في المسرح نريد له ان ينمو ،وكيف نحقق هذا السبق الابداعي البارع حيث اغتنت القصيدة بالدراما فكانت القصيدة الدرامية التي تؤسس غناءها على ثيمة مسرحية وتطوع الانثيالات المتعاقبة الى تنامي فعل مثل قصيدة عتاب مع ابي ذؤيب الهذلي ،وفي حضرة اسماء بنت ابي بكر..وخراب الازمنة،وشعراء القيام .هذا على مستوى الشعر اما في المسرح فقد تزينت الدراما بالشعر ،لا كزينة عاطلة ،وانما كشكل تعبيري رفيع حيث اتخذ الشعر شكل آنية للحدث برقيّ الصياغة بينما حافظت الثيمة الدرامية على وحدة النسيج في الشكلين المسرحي والشعري وفق غائية تنكبت طريق فنّين رفيعين هما فن الشعر وفن المسرح .فكانت مسرحياتي الشعرية (ثانية يجيء الحسين وابو ذر يصعد معراج الرفض ونوح لايركب السفينة ..)

**ولكن الا تظن ان القصيدة الدرامية لابد لها ان تتنازل - لااختياراً - عن بعض جمالياتها الفنية ،مقابل تنامي الحدث الدرامي،ما يجعلها تقع تحت طائلة التقريرية والمباشرة..؟

-للقصيدة الدرامية طاقة كبيرة على اختزان الصورة وتمتين النسيج.ولها القدرة على اثارة الشجن واضافة الكثير من السرية على المعمار العام،وصولا الى الايقاظ الشعري انها كائن نوعي متحضر ارقى ،متعدد الاصوات والادوار والنشاط لانه خلاصة فنين رفيعين هماالشعر والدراما ،وشاعرها بناء ماهر معني عناية فائقة بالهندسة يتردد على شغله بشغف وشفافية ليؤسس العلاقات الصغرى بين الثيمة ومتنها الحكائي وبين البداية والاختتام وهو الذي لاتصل شأوه القصيدة الغنائية التي تعتمد النسخ المتكررلتجليات الذات .ففي قصيدتي (شعراء القيام)مثلا تعددة الثيمات على الرغم من ان القصيدة في عموم جدليتها قد نحت منحى تراجيديا مع الواقع وكانها معنية بتعدد المشاهد والذروات لا تعدد المقاطع مما جعلها تتسع وتنفتح لتطوير خطها الدرامي مع الذات وهي تسترجع الاصوات الغائرة بعمق فيها وكانها زيارة طقوسية صامتة في حين ظلت تتجلى واضحة امام متلقيها.ان على شاعرالدراما ان يلقي بنفسه في احضان جمهوره او يجلس معه على اريكة واحدة .وطبيعي ان تكون لهذه القصيدة خصوصية معينة حين هيمن حزني الشخصي الغامق على السارد الموضوعي والجمالي وهكذا ،في ظني ،يكون الحال في عمل طبيعته الدراما تكون الشعرية فيه خاضعة للحدث وليست تزيينا وزخرفة له .المهم ان يكون الحدث والشعرية على صلة ببعضهما لتتخذ الشعرية صفات جمالية جديدة ،في القصيدة الدرامية،تختلف عن تلك التي اتخذتها في القصيدة الغنائية

**اتخذت بعض مسرحياتك من الموروث الديني والتاريخي مادة لها،كما في مسرحية (ثانية يجيء الحسين، ومسلم بن عقيل ،وابوذر،ونوح لايركب السفينة واحدهم يسلم القدس هذه الليلة..)هل كان هذا الانعطاف نحو الموروث لجاهزية الحدث ام لاستقراء الوقائع ام لاسباب أُخر..؟

-التاريخ دراما متصلة وعلينا ان نكون معايشين حقيقيين له قادرين على الانتقاء وادامة الجدل مع وقائعه التي يمكننا تدميرها على الحاضر .فالزمن ليس سيلا من الوقت يمر على ارض سهلة دون التوقف في منعطف ولذا فان خبرة (المونتير)هنا ضرورية لتقطع ما ينبغي ايصاله ببصيرة نافذة .قد يعني الوقوف امام الموروث التاريخي لدى البعض سهولة التنازل ،ذلك ان اختيار حادثة في التاريخ للكتابة عنها يوفر على كاتبها عناء البحث عن بداية ونهاية ومسار احداث غير ان ذلك الوهم قد يفضي بنا الى مازق كبير حين يتحول الكاتب المسرحي الى مؤرخ معني بالجزئيات وحين تصبح الكتابة لديه مجرد حكاية وليست اضافة .ان التراث لايعامل من خلال الاعادة وانما بالاستعادة في كيفية امكانناان ندفع ماظل من هناك الى هنا وكيف نجعل من اللحظة المستقبلية امتداد للحظة المنصرمة .فالزمن مسار واحد وما التاريخ الا الماضي للحاضر وكيفية الوصول الى المتلقي والمتفرج بمعالجة درامية مقنعة .ان على الشاعر المسرحي الذي يستدعي شخصيات التراث واحداثة ان يقف امام هذا التراث براس مفتوح وقميص دون ازرار.                         

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق