دلالة الصمت في "ينام في الأيقونة" *
كتبهاعلي عطوان الكعبي ، في 22 تشرين الأول 2007 الساعة: 07:39 ص
دراسة ..
تستأثر مفردة الصمت، في الخطاب الأدبي، بالكثير من الأهمية، مما جعلها موضوعاً مثيراً سوغ للكثير من المهتمين بالنقد الأدبي الالتفات إلى هذه المفردة ودلالاتها إلى الحد الذي عدّها بعض النقاد (مخترَعاً ثقافياً) كالناقد عبد الله الغذامي، حيث يقول: (.. والكلام ليس مخترَعاً ثقافياً وإنما الصمت هو المخترَع الثقافي)[i] فإن كان الصمت يثير ما يثيره ويمثّل ما يمثلّه في الأثر الأدبي عامة فهو ذو خصوصية بالغة الحساسية في النص الشعري خاصة.. وربما أصبح إشكالية مضادة لفن القول، إذا ما سلّمنا بأن الشعر هو ربيب هذا الفن.. فالنص الشعري إنما يتأسس وجوده وتتشكل عوالمه بخاصية اللغة.. أداة الشاعر في الكشف والبوح.. فلماذا يلجأ الشاعر إذن إلى الصمت وهو الذي عليه أن يبوح لا أن يصمت.. وهل إن صمتَه نوعٌ من العجز الذي يدركه.؟ أم نوع من شعرية الصمت؟ أم بسبب ما يعانيه من قيد فكري أو سياسي؟ أم أن صمته لا هذا ولا ذاك؟ وإذا ما تتبّعنا تجارب الشعراء وجدنا أن تناول مفردة الصمت يختلف باختلاف هذه التجارب وباختلاف خصائصها.
والشاعر عبد القادر الحصني، كغيره من الشعراء امتلك خصائص تجربته الشعرية، على وجه الخصوص تعامله مع مفردة الصمت، عبر نصوص مجموعته الشعرية الموسومة (ينام في الأيقونة) الصادرة عن دار الكنوز الأدبية / بيروت، بطبعتها الأولى عام 2000م، والتي تمثّل جزءاً من تجربة الشاعر الشعرية، فقد وردت مفردة الصمت أكثر من عشر مرات في نصوص المجموعة التي لم تتجاوز السبعة عشر نصاً.. مما جعلنا نبحث عن أجوبة ملحّة لأسئلتنا السابقة.. فحين نقرأ (مقدمة للصمت) ص23:
لا بد من شجر كثيف في الظلام
ليظل شيء من بهاء الصمت مبهوتاً
على طرف الكلام..
نجد أن الصمت هنا أشبه بالشيء المحسوس الذي ربما لو أراد له الشاعر أن يتحرك لتحرك، ولكن تحقيق كينونته مشروط الوجود، وذلك يتضح في جملة (لا بد ـ ليظل) أنه مرتبط ومتعلق بعلل وجوده التي هي أقرب ما تكون إلى غايات متماهية مع الشجر الكثيف، وإلى الشجر الكثيف، الذي يسير في خط متواز مع بهاء الصمت.. ولولا خط التعلق والتوازي هذا لسقط الصمت من طرف الكلام وانطفأ بهاؤه..
ونقرأ في نص آخر (طعم الليل) ص31:
لولا تفاصيل الحكاية
سربل الأشياء
في إبّانها صمت عقيم
مرة أخرى يرتبط تحقق الصمت بمشروط آخر.. ولكنه هنا مشروط عكسي قائم على طرفي معادلة(لولا ـ سربل) إذ إن تجسيد الصمت أمر محال لقيام هذا الأثر العكسي شاخصاً بقوة وعلى الرغم من أن الصمت وقع يطوف حول المكان فإن المحكيّ قد انتصر على الصامت مما جعل الشاعر يمارس أفعاله بين عقم الصمت وتفاصيل الحكاية.. وقد يتداعى الشاعر حين يدرك وحدته الصامتة كما في (قصيدة الرجل) ص59:
ما أوحدني في هذا الصمت المصمت
وأنا أبتكر جروفاً هاوية
وأفسّر ما بين أصابع كفي
فقد تحول الصمت لدى الشاعر إلى دائرة ذات فضاء غير محدود للبحث عن أسباب الأشياء ضمن هذه الدائرة فراح محاولاً الابتكار والتفسير لغرض كسر طوقها.. إلا أنه لم يتجاوز حدود المحاولة تلك، بالرغم من تشبثه بفعلي المضارع، لذلك بقي الصمت من حوله مصمتاً وكان كل الذي حوله لا يمده بما يستطيع معه أن يتقرّى بمجيء الحزن إلى الأشياء.. وربما يتخذ الصمت لديه بعداً آخر حين يكون عاشقاً لأنه يلجأ إليه مختاراً، ظلاً ظليلاً يحتمي به من حر الجمر وشفاءً من دواء مرّ يستساغ:
أقول لأدني مريدي
هذي جواهر حمراء من أُعطيات حبيبي
وأصمت..
أصمت كي لا أعكّر غبطته بالأنين..
(احتفاء) ص74
إن قرار الصمت هنا قرار نابع من وعي الشاعر وفعل الصمت فعل حركي غير سكوني، إنه حلّ يفرضه الشاعر عند أرضيته ليقوم عليه فعل آخر أكثر وقعاً، وهو لا يفعل هذا صابراً، إلا إذا كان عاشقاً دنِفاً.. ويستمر الشاعر متنقلاً بين أجواء صمته من صمت مصمت إلى صمت غامق إلى صمت مديد.. ولعل ما يثير انتباه قارئ المجموعة ورود مفردة الضجيج، وكأنها معادل موضوعي لمفردة الصمت ،وإن كان مؤشّر ورودها من دون قصدية أو تخطيط مسبق من الشاعر، وعلى الرغم من التكرار اللفظي لهذه المفردة وما تولّده طاقتها اللفظية تلك.. من ربط التناغم الإيقاعي مع التناغم النفسي وما تحفزه في كون الشاعر الداخلي، وإنها جاءت مفردة سلبية أثقلت ضمير الشاعر، ولم تركن إلى موقف التضاد لمفردة الصمت.. ولكن ما يبرر ذلك أنه ضجيج مدان من قبل الشاعر نفسه ،لأنه يصدر عن ذوات غيرِ ذاته، عن آخرين يقف الشاعر بإزائهم طالباً الهدوء ومتسائلاً ماذا يريد الضجيج؟ وكأنه بهذا ينتصر للصمت الذي طالما لجأ إليه مختاراً، لأن الصمت ذلك المساحة البيضاء في اللوحة التي من دونها لا تكتمل حدود الأثر الفني.. فهو لا يصمت عن عجز في البوح أو عن هروب من قيد فكري.. أو.. أو.. بل غالباً ما كان صمته محوراً حوارياً ينطلق منه إلى أسئلة أخرى تثير مؤشرات التساؤل والاستفهام لدى المتلقي.. والصمت حين يكون نهاية لقول الشاعر في النص إنما يؤسس في الوقت ذاته بداية أخرى لكلام سيقال.. وهو بهذا الحضور المتجلي يُثري النص ويمدّه بزخم هائل من التدفق الشعري.. لأن صمته صمت يكاد ينطق، أو ربما كان يرنّ ليملأ الأسماع، فأنت في صمته الشعري تكاد تُمسك بأجساد الكلمات مهتدياً إلى ذلك بدويّ أصواتها.
[i]عبد الله محمد الغذامي/ النقد الثقافي، المركز الثقافي العربي 2000.
* جريدة الاسبوع الادبي العدد 966 تاريخ 16/7/2005
رابط الموضوع:
http://www.awu-dam.org/alesbouh%202005/966/isb966-027.htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























