حوار00
كتبهاعلي عطوان الكعبي ، في 20 أيلول 2007 الساعة: 10:21 ص
تنويه:
هذا الحوار أجراه معي الشاعر المغربي مصطفى بدوي00ولظروف ما غاب الشاعر، دون أن أعرف سببا لغيابه ، رغم مراسلتي له.. أتمنى أن يكون بخير.. وأنا للأمانة سانشره كما هو .. ودون مقدمة00
الشاعر علي عطوان الكعبي
- أنا مع الشعر في الشكل ، لا مع الشكل في الشعر00
- إن النقد العربي عموما محكوم بأطر وسياقات ذوقية وشخصية وسياسية ربما00
حاوره: مصطفى بدوي
** كيف جئت الى الشعر..؟
- أخال ان سؤال الكيفية هنا، ربما ،يمتد باطرافه الى نهايات قصية،فنحن حتى عند توسعنا في مفهوم الشعر،بتوصيفه بالعالم الشعري،تكون تصوراتنا غير منطوية على تلك الكيفية،لأن الشعر هو عالم يرسمه التخيل ،ليس ذا كينونة محددة.وهذا امر معروف ، فالشعر لاهو بالذي يَأتي ولاهو بالذي يُؤتى،إنما أرى ان هناك نقطة لامرئية في حياة الشاعر تشكل المثابة التي يتم فيها الالتقاء والتوحد والانطلاق ،فيما بعد الى عمق التجربة،فالشعر كون داخلي يتأسس في الذات التي منها وبها ،يقيم الشاعر علاقته بين هذا الكون الداخلي وكونه الخارجي.
ومن نقطة التوحد تلك كان مجيئي ،الى الشعر،محلقا على جناحي فينيق ،قد انبعث من رماده ذات يوم ،متوجا بمجساتي المفترضة التي جعلتي اتحسس هذا الجسد الضوئي ليصيبني بعدواه الجميلة فنستشعرها ،هو وأنا،هو ككائن ضوئي يمدني بحساسيته الشديدة،وانا كشاعر أسبغ على الاشياء ذرات دهشتها الصادمة.
** تحدث لي عن مختلف المنعطفات التي عرفتها تجربتك الشعرية،منذ البداية الى الان ،إن أمكن ذلك..
- إن الشاعر ،كأنسان يمثل حالة خاصة واستثنائية،في الضمير البشري،ولابد له إذن ان يستكمل ادوات تأثيره التي تتنامى بالاطلاع والاستكشاف ،والتي هي حتما ستقترب به من حدوث انعطافات في صميم التجربة ،ليس على سبيل المخالفة او التفرد،انما كسياق معرفي يفرضه نسيج التجربة ذاتها.
وانا حين أمدّ ببصري الى مكامن تجربتي المتواضعة ،أكاد اتلمس أثرين كبيرين أسسا لأحداث تلك الأنعطافة،التي هي على أقل تقدير كانت على مستوى اللغة والمعنى ،.فالتأثير الأول ،في بدايات التكوين المعرفي ، ناتج عن قراءتي وتعرفي الى نهج البلاغة،الكتاب الذي ضم خطب الأمام علي بن أبي طالب (ع)،إذ كانت الدهشة كبيرة أمام هذا الزخم الهائل والثراء الباذخ من اللغة والبلاغة الساحرة ،جعلتني أتوقف طويلا عند مقاطع من هذه الخطب ،تجاوزت بلغتها المختزلة الرشيقة ،حدود النثر الى عمق الشعر؛الأمر الذي جعل لغة القصيدة لدي تنزاح الى فضاءات غير مبتسرة ،من الكثافة والأختزال وجمال التشبيه،وقد انعكس ذلك في مجموعتي الشعرية الاولى(في دائرة المستحيل )الصادرة عام 2001 .
أما الأثر الثاني،فقد تمثل بصدمة القراءة الواعية لشعر الخالد ،أبي الطيب المتنبي،هذا الصرح العالي ،الذي القى بظلاله على الكثيرين من المبدعين،لأن القصيدة لديه تنطوي على مضامين كفيلة باحراز الاندهاش والاعجاب والتأثير ،وهذا ماتمثل بشكل واضح وجلي ،في مجموعتي الشعرية الثانية(هكذا نزدهي بالمباهج) الصادرة عام 2005 …انا أجد ان هذين التاثيرين أحدثا انعطافة هامة في تجربتي.وهذه الهزة في جسد اللغة عمقت مدلولاتها بانعطافات عدة تعرض لها كيان الشعر ،بعامة ،وربما أكثر هذه الانعطافات سخونة وحرارة ،هو ما تعرضت له أجيال عديدة على مستوى التجربة ،من اختبار ومواجهة ،للذات والوعي ،هو ما تركته الحرب ،كبصمات واضحة،بكل تفاصيلها الدقيقة النافذة في عمق الروح ،ومساحات الجسد ،هذه (الشمطاء العاقر) تمكنت من أن تضفي على بهاء القصيدة ،ألوانا من دموع ،وأسف ،وحزن ،ودم ..ولعلها الى الآن تختبيء في زوايانا غير المهملة.
** كيف تقيم المشهد الشعري في العراق ،وهل يمكن الحديث داخله عن شعراء الداخل وشعراء الشتات؟
- قد يختلف المشهد الشعري في العراق عنه في البلدان العربية الأُخر،على الأقل،وهذا نابع من ان التجارب الابداعية فيه تتحصل على كم هائل من الألم ؛فالشاعر العراقي سليل الحروب ،والقهر والتسلط والدكتاتوريات ..فأنت تجده محاصرا وهويكتب،ومطاردا وهو ويكتب،ومهمشا وهويكتب،وربما تعرض للقتل وهو يكتب أيضا.. وهو حين يفعل هذا إنما يستند الى مرجعيات شعرية ضاربة في عمق التراث الانساني قد تصل بجذورها الى جلجامش وانخدوانا الاكدية المراة الشاعرة الاولى في بلاد الرافدين،لتمر بالمتنبي وابي تمام ،ولاتنتهي بالجواهري والسياب..وغيرهم .
ويكفي أن أشير هنا الى قول الشاعر المبدع محمود درويش(كن عراقيا لتصبح شاعرا ياصاحبي).نعم إن مشهدنا الشعري الآن يختلط فيه ايقاع القصيدة بدوي العبوات الناسفة والسيارات المفخخة،ولكن الأجمل في كل هذا ان صوت الشاعر مازال اعلى من دوي الانفجارات .لدينا في العراق تجارب شعرية مميزة وجميلة تؤسس لها اجيال شعرية عدة متداخلة ،واشكال شعرية متجاورة ومبدعة ،غير إن ما يحز بالنفس إن الشاعر العراقي لايجيد الدعاية الأعلامية لنفسه ،بالاضافة الى إنه كان محجوبا عن العالم لايسمع صوته.. ،والاسباب أكثر من إجمالها هنا..
أما الحديث عن شعراء الداخل وشعراء الشتات- كما أسميتهم أنت- فأنا لاأجد ثمة فرقا واضحا لهذه الثنائية وبهذه الحدة،لأن شاعر الشتات ،هو شاعر في الداخل ،غير ان الذي جوز لهذا التوصيف ان ياخذ واقعه الان ،هوخطوط العرض والطول الجغرافية؛فشعراء الشتات حين ضمتهم المنافي ذهبوا وهم يحملون بين الجوانح تجارب شعرية تشكلت كينوناتها في رحم الداخل أساسا،أي إن أغلب تجاربهم كانت تجارب حائزة لشروطها الأبداعية..ولكن إذا كان ثمة ما نؤشره ،في المساحة الفترضة بين هذين التوصيفين - لنكون موضوعيين - هو مانتج ،كإفراز لهذه الثنائية،فقط ،على صعيد خصائص التجربة ،حيث ظلت تجارب شعراء الداخل أكثر حرارة نتيجة ملامستها للواقع الساخن وضغوطه المؤثرة،بينما انفرط عقد هذا الطوق عن شعراء الشتات ليعانوا بديلا آخر تمثل في ضغط الغربة والمنفى ،فكان بناء على هذا ان اختلفت مضامين النص هنا وهناك.
** تحكم النقد الشعري علاقة حميمة بنظرية المركز الشعري ،غير ان هناك تجارب مضيئة في الهامش ،أي في الخليج العربي ،والمغرب العربي الخ..كيف تنظر الى النقد في علاقته بالنص في ضوء هذه الاطروحة؟
- أجدني أقف الى جانب مقولة ،أن ما يحدث في الهامش أهم مما يحدث في المتن ،في احيان كثيرة،ولعلّي أشير هنا الى مثال عملي ملموس ،في واقعنا الثقافي العراقي،وهو ما حصل إبّان حكم النظام السابق ،حين كانت المؤسسة الثقافية برمتها تخضع للأدلجة والتسييس،ومحاولة التهميش والأقصاء ..هكذا كان حال المركز أو المتن،صورة جلية وواضحة،غير ان الذي كان يحصل في الهامش ،هو الابداع الحقيقي ،لانه بعيد عن أعين السلطة والمخبرين،نصوص ابداعية خلاقة تمتلك مقومات صدقها الفني والجمالي،بيد ان مساحة ظهورها مساحة ضيقة يحيط بها الخوف والترقب ،لذلك هي كثيرا ما آثرت الانزواء والابتعاد..وهذا المثال ،وإن كان يصدق في العديد من البلدان العربية الا انني اعتقد ان الخليج العربي ،او المغرب العربي لا يمثلان الهامش في الشعرية العربية
فأنا أرى إن الأمر متداخل ،ولا يمكن تحديده بسهولة،فأنت تجد المتن والهامش حتى في المركز ذاته - اذا استطعنا ان نحدد مركزا بعينه - إن النقد العربي عموما محكوم بأطر وسياقات ذوقية وشخصية وسياسية ربما،وهذا مايجعله يجانب موضوعيته كثيرا،وان هو تجاوز هذه المحددات،فغالبا مايتوجه الى تجارب المركز بسبب من جهوزيتها التي لاتتطلب منه اشتراطات الجهد المعمق في الاستقراء والأستكشاف .إن الناقد العربي مصاب بالخدر الذيذ الذي أمدته به هذه التجارب الجاهزة،لذلك ظلت تجارب الهامش ،وهي المبدعة ،بعيدة عن متناوله كنصوص يجب الألتفات اليها.ولكي لانكون ظالمين بحكم التعميم ،نشير الى ان هناك من النقاد من سبر غور هذه النصوص ،فاشار اليها كتجارب جميلة في الشعرية العربية.بالاضافة الى هذا نجد ان الناقد العربي انشغل بمسالة التنظير النقدي والتقنين العلمي للنظرية ،فأبتعد كثيرا عن ملامسة النص ،فضلا عن انشغاله بما افاض به الغرب ،وربما ماتجاوزه باشواط ،من التنظير والنظرية ،فوقع في فخ الجذب والشد لذلك ، وقد انعكس هذا عليه بخاصة ،وعلى النقد بعامة.
**ماهي التجارب الباذخة شعريا التي شدتك إليها في لاشعورك الشعري؟
- لعل من المعروف،ان ثقافاتنا الشخصية ،ومجسات وعينا،ماهي الأ نتيجة لتراكماتنا المعرفية التي اختزلتها الذات وانطوت عليها عبرمصادرها المتنوعة في القراءة والاطلاع والمعايشة ،بعد ان اخضعتها لعملية التنافذ والمزاوجة،فأسست في لاوعينا مكامنها التي احتفظت بتأثيرها وفق نسب غير متساوية أصلا،ولهذا فآثارنا الأبداعية هي نتاج لمجموعة من التجارب السابقة علينا ،مضاف إليها منطلقات تجاربنا الآنية،ولذا تجد ان هذا يميل الى تجربة الشاعر الفلاني،ويميل ذاك الى تجربة الشاعر الفلاني الآخر،وهم في الحالتين يتحركون استنادا الى ما اختزنته ذواتهم في مكامن لاوعيها.ولا أنكر إني شدتني تجارب شعرية مميزة يزدحم بها تراثنا الشعري ،ومازلت أعيد قراءتها بمتعة وإعجاب كبيرين،فقصائد جرير والمتنبي والسياب تضج بألقها الأبداعي والحداثي الرائع ،كمعين من تجارب باذخة حقا ،انطوت عليها الذات في لاشعورها،وربما كان لقصائد طاغور ورامبو مثل ذلك التاثير والجمال.
** هل تطرح عليك كشاعر مسالة الأشكال الشعرية،وأنت تقرا نصا شعريا ،أو تنصت الى نبض تجربة ما؟
- أنا مؤمن ان الشعر نبض إنساني سيستمر في إثارة ضجيجه ،كهاجس قلق في ضمير ووجدان الأنسان،ولما كنت أتحسس هذا النبض كهاجس في مخابيء النفس؛آليت ان انفض عن جذوته رماد الروح لتضيء مجاهيل كونها،فتتلمس لذة الأكتشاف؛ولذا فانا أرفض القوالب والتوصيفات الجاهزة،كأطر تتم وفق دوائرها المغلقة عملية الخلق الأبداعي.ليس للشعر عندي من حدود او أشكال،أنامع الشعر في الشكل لامع الشكل في الشعر،لايعنيني ان يكون النص ،نصا عموديا او نصا نثريا او غير ذلك..مايهمني امتلاك النص لدهشته ونبضه ،ومقدار ما انطوى عليه من صدقه الفني ،الذي يظهرعبر علاقاته وشفراته 0
الحق ،أن علينا أن نغادر صراعنا الذي أصبح،كعاهة مستديمة،في مشهدنا الأدبي حول مسالة الشكل الشعري.هذه المنابزة أخذت الكثير من الوقت والجهد،وجعلتنا ندور في حلقة مفرغة،ونحن لم نلحظ إن الشعر ذاته قد حسم هذه المسالة بطواعيته ومرونته وتقبله أن يلبس أردية متعددة الأشكال،دون تغيير بجوهره ، ودون أن تمس قداسته الجميلة،وأحسب انه سيظل هكذا للأبد.
**وما يبقى يقوله الشعراء،هكذا انتفض مارتن هيدغر صائحا ذات يوم؟
- بكل تاكيد،إن من حق هيدغر أن يقول ،ومن حق الآخرين أن يقولوا أيضا..ولكني أتساءل هنا،هل حقا ،إن مايبقى يقوله الشعراء؟ فماذا إذن نقول لعنترة بن شداد،حين وقف هاتفا هو الآخر:( هل غادر الشعراء من متردم..؟)ليؤكد إن الشعراء لم يبقوا شيئا من القول الا قالوه..ثم ليترك بصمته كوشم ظاهر في جبين الزمن. أم ماذا سنقول لأرسطو،قبل ذلك وهو يؤكد إن على الشاعر ان يستشرف ماسيقع..، على اني اجد إن هيدغر ربما نظر الى وجه آخر من أوجه القول،فأراد المعنى غير المرئي أو المعنى الفلسفي في متاهات اللغة،وعندئذ سنعتذر مجللين بالاحترام،لأرسطو وعنترة..،لأنهم قصروا في إدراك ما أدركه هيدغر،بعد حين..لأن الشعر هو كبد برومثيوس المتجددة التي تعاني في الليل وتهدأ في النهار،وهو عشبة جلجامش التي ستظل رغبة جامحة متعلقة في النفوس الباحثة في مجاهل الذات والكون،هو فانوس ديوجين الذي لم تطفئه العتمة..ان الذي يقوله الشعراء هو نثار غبار من ارواحهم،فهم اول من يقول واخر من يصمت.
وفي رغبة اخيرة في القول ،اجدني اقف بأزاء روحي متلمسا غبارها..لعل شيئا منه سيعلق بيدي،فيكبر نبض القصيدة ليسيل فراتا عذبا يهدهد جرح الوطن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























