الهوية العراقية بين الذات والاخر
كتبهاعلي عطوان الكعبي ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 13:22 م
ربما نجد من الصعوبة بمكان ان نحصر مفهوم الهوية او نحدده في اطار تعريفي مقنن ، لان الهوية ليست ذات ماهية مادية او ابعاد هندسية انها سمة ذات ملامح حركية ترتبط بديناميكية يخضع لها المجتمع بكامله نتيجة المتغيرات الحاصلة والمتسارعة في بنتيه التكوينية، وهي سلوك ادائي ممارسة فعلية واعية تستند في واقعها التطبيقي الى الانتماء الكلي للوطن.. لذا فهي تمثل افقا استشرافيا ، وافقا مفتوحا بمديات قابلة .. وقد ظلت لهذا كله ممارسة خارج اطر جميع التعاريف التي حاول البعض ان يجدها لها لشدة المتغير الذي يكونها وتتكون به .. والهوية العراقية لاتخرج عن حدود هذا القول الذي اشرنا اليه انفا.. على ان هذا ليس هو الذي يؤشر الازمة الحادة التي تعيشها وتعاني منها الهوية العراقية.
وهنا ثمة سؤال يتبادر الى الذهن؟
لو أستقرأنا احوال مجتمعات عديدة خضعت لذات المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (منذ نشوء الدولة العراقية) فاننا لانجد ان هذه المجتمعات تعاني او تعيش هذه الازمة الخانقة ذاتها في الهوية وبهذه الحدة؟.
ان الجواب على مثل هذا السؤال ياخذ امتدادات تاريخية (بعيدة ـ قريبة) كعوامل تأثيرية وتكوينية .. لعل في مقدمتها العامل الديني ، والعامل الاخلاقي والعامل اللغوي والعامل الاثني والعامل العرقي والعامل السياسي الحكمي..ونرى ان ازمة الهوية العراقية ناشئة عن محصلة امتلاكها لمقومات ساعدة على ذلك لاتتوفر لدى مجتمعات اخرى ولو بحدود معينة هي هذا التنوع السكاني الكبير والمختلف الذي يشكل التركيبة الكلية للمجتمع العراقي المتعدد الاطياف والقوميات والديانات وهذا التنوع الذي لم يجد تجانسا منسجما هو الذي ادى الى تفاوت كبير بين هذه المكونات .. وبالتالي الى نشوء أزمة حادة في الانقسام الجزئي والانطواء على الرغم من ان البعض يشير الى اسباب بيئية تتعلق بالمناطقية والتضاريس واخرى قومية ذات امتدادات دولية تتجاوز حدود الوطن، لترتبط بأزمة وعي عربي ربما.
ولو رجعنا الى بدايات تشكل الدول العراقية لو جدنا هذه الازمة منذ بدايات التشكيل ،لانها موروثة عن امراض كثيرة خلفتها الدولة العثمانية التي مارست سياسة اقصائية واضحة لمكونات اجتماعية عديدة وسياسة تقريبية لمكونات اخرى، وهي بذلك لم تجد نسيجا اجتماعيا متجانسا ومنسجما مما ولد شعورا باليأس والتهميش والخذلان وقيض لوجود ازمة نفسية انطوائية ونكوصية لتلك المكونات .. ومن هنا نشأت ازمة الهوية العراقية لأن الأمر انما قام على اقصاء فئة على حساب فئة اخرى بل على حساب فئات اخرى.. مما جعل تلك الفئات تبحث عن ملاذ امن ومرجعية استقطابية لممارسة خصوصياتها التكوينية فالسلطة الحاكمة فشلت في خلق خطوط تواصل والفة مع المواطن .. ومن هنا بدأت الذات العراقية بالانشطار والتنصل عن الجمع والنزوع الى منظومات مصغرة دينية (اسلام ، مسيح ، صابئة..) وطائفية (سنية ، شيعية) وقومية (عرب ، اكراد ، تركمان) وغير ذلك في اللغة والبيئة ايضا حيث اخذت هذه المنظومات المصغرة تنأى وتستقل عن المنظومة الجمعية الكلية فهي ضمن النسيج الجمعي وهي خارج هذا النسيج في الوقت ذاته وقد نستطيع ان نعبر عن هذه المظومات المصغرة بالذات الجزئية لتقابل في ذلك الذات الجمعية التي هي الاخر (المجتمع) لذلك اصبحت الذات العراقية في هويتنا ذاتا مزدوجة نزعت الى عملية الشد والجذب من خلال محاولة هذه المنظومات المصغرة لتأسيس (هويتها) تنوعها الثقافي والمعرفي والديني لانها في الاساس ذات جمعية مصغرة بعيدا عن الهوية الكلية التي هي في نظر هذه الذات المصغرة هوية حاكمة سلطوية اقصائية ولهذا ظلت الهوية العراقية مرتبطة بهذا التنوع المتعدد الذي لم يجد نوعا من التعابر بين ذاته (كمنظومة) والاخر (المجتمع).. حتى بعد تأسيس الدولة العراقية في بداية القرن الماضي ، بل ان محاولة الحكم الملكي لتضييق حدود هذه الازمة كما في دعوة الملك فيصل الاول لتشكيل شعب عراقي فشلت ولم تأت بثمارها لان ازمة الهوية العراقية هي ازمة وعي وتفاهم وحوار وازمة قلق في مواطنة لم تتبلور وارث عقيم سابق يتجذر في تفاصيل ومفاصل المجتمع كما ان محاولات الايديولوجية في معالة هذه الازمة بتجاوزها لمسألة القومية والدين.. لم تفلح في ان تضع اليات تشخيصية ناجعة لحل هذه المشكلة فضلا عن وصف الدواء الشافي بل اننا نجد ان الايديولوجية زادت الطين بلة عند بلوغها سدة الحكم وعملها على التأسيس لنظام حكم دكتاتوري . بدأ بايجاد واساليب ترسخ سياسة التهميش والاقصاء وزاد على هذا باليات عمل جديدة في محاولة الاجبار والاكراه القسرين لذات المنظومة المصغرة للتماهي في الذات الاخرى واشاعة مهيمنات للتدجين الاضفاء هوية معينة على هويتها.
ان هذا الامر في محاولته الاجرائية تلك عمق الشعور بالاحباط والغضب لدى الذات الاخرى في التعاطي مع عملية تجاوز اخفاقات الماضي وولد ردة فعل عكسية مضافة في الانطواء والانكفاء للتمسك بهويتها ذات الخصوصية بمعنى اخر وسع هذا الاجراء الهوة بين المنظومة المصغرة (الذات) والمنظومة الكلية (الاخر) وجعل تلك الذات تحس بان اتصال الوعي في دائرة الفهم والتفهم من خلال عملية التراسل والاستقبال انما هو ضرب من المحال بين المنظومتين ان مشكلة اخرى ايضا صبت في رافد للهوية العراقية هي مشكلة عدم الاطمئنان بين منظومة الذات ومنظومة الاخر والتي هي في نظرها منظومة تمثل الحاكمية السياسية ولعل هذا مانتلمسه اليوم في ازمة الهوية الحادة حين نجد ان المنظومات المصغرة كمكونات اجتماعية تغرق في خوفها وعدم اطمئنانها بالرغم من ممارسة الاخر عملا متقدما باتجاه الاطمئنان فهي تحاول اللجوء الى رد الفعل العكسي غاية منها في اثبات وجودها وربما استندت في فعلها هذا الى امتدادات خارجية تعمل على تغذية هذه الروح لديها .. وهذا بحد ذاته يمثل لحظة حرجة في عدم الاستقرار والتعامل الايجابي مع الاخر.
اذن فما العمل في كل هذا؟ وكيف يتم التخلص والتغلب على ازمة الهوية العراقية؟ بما اننا نفترض ان اسباب هذه الازمة هي اسباب اختلافية وليست خلافية تتمثل في الوعي والشفافية وتقبل الاخر والحوار والتقريب والتعددية والشراكة وعدم الانفراد بالسلطة اذن والحال هذه لابد من الالتفات الى عمق تاريخي كان يمثل الهوية العراقية الوطنية القائمة على التجانس والانسجام على كثرة التنوع والتعدد والركون الى عملية الاطمئنان المتبادل وابعاد شعور الاستغراق في الاوهام والنكوص والانطواء والقمع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























