دراسة نقدية..
كتبهاعلي عطوان الكعبي ، في 22 تموز 2007 الساعة: 00:31 ص
نصوص علي عطوان الكعبي
التكثيــف الشعــري وإختــزال المعنـــي
زهير الجبوري
كاتب من العراق
ربما نجد من الضروري الاطلاع علي التجارب الشعرية التي طرحت في العقد التسعيني، اذ شكلت هذه التجارب حوارية خاصة بالمرحلة التي عاشها الشعراء التسعينيون، وانطلقوا صوب تأسيس واقع منفرد مثل من سبقوهم من الشعراء..
من هنا، تأتي تجربة الشاعر (علي عطوان الكعبي) في مجموعته الشعرية (هكذا نزدهي بالمباهج) التي اعطت مدلولاً واضحاً من خلال فتح اشارات المعني من الداخل، مما سهل للمتلقي عملية كشف الاشياء واعطائها صفاتها المرموزة والمؤطرة (شعرياً)، فالمدخل قبل بدء قراءة هذه المجموعة يقول (تقوم القيامة.. اذا يتزيا الغراب بزي اليمامة)، وهذه حركة تمويهية بانت علي حركة الشعر قبل ان نقرأه..
وجاء العنوان منذ البداية ليشكل منفذاً للدخول الي قراءة تناظرية للمتن/ القصائد، وهذا ربما يتماهي مع المستوي الدلالي والرمزي لكل القصائد، فبالرغم من التكثيف الموضوعي الذي تحلت فيه اغلب القصائد لمسألة مهمة ارتبطت بالواقع المعاش، فنجد عبارتي (نزدهي) و(مباهج) تتمايز مع القصائد (وحيداً.. قبل اندلاع الغبار/ اليك مع الرصاص/ دوامة/ امنيات في ضمير المستحيل/ ثلاثيات.. في حديث الاربعين../ هم.. هكذا ينسكبون، الخ).. جميعها تناولت موضوعات (الحرب.. الرصاص.. الموت.. القيامة.. الكفن، وغير ذلك)، فاتساع دلالات هذه العبارات تشير الي رؤي احتمالية تكمن داخل الشاعر ليؤكد فاعليته نحو (التأثير والتأثر)، فمهما كانت عناصر هذه الاشياء ومهما كانت دلالات اشتغالها فانها تشكل حوارية (المونولوج داخلي) والانطلاق صوب تشكيل مشهد شعري مؤطر بالمكان (تارة) وبالفضاءات المفتوحة لكل الاشياء (تارة اخري)، ففي قصيدة (ابو نواس.. بين تمثاله وكأسه)، نلمس ذلك:
وحيداً..
علي شاطئ مهمل
تسامره .. ذاويات غصون
لفرط التعري
يمر الشتاء عليها خجولاً..
ونافورة..
ترتدي بؤسها حُلّة
رغم كرِّ الفصول
فمع هذا التداخل للثنائي المذكور (المكان والفضاء)، فان عملية تأثيث (المقطع الشعري) فيه تكثيف للعبارات المستخدمة رغم ترابطها وانسجامها البنائي مع المعني، ونلمس ايضاً بان الشاعر ممتلئ بمزايا التكثيف هذه.. ولعل ما لمسناه في القصائد الاخري تشير الي ذلك، لان انعكاسات الواقع.. اثر (سايكولوجيا) علي المهيمنات للكتابة الشعرية عنده..
ومن جانب آخر، فان تشكيل الصور وفق موضوعات شاملة، هي سمات هذه المجموعة الشعرية، بل وكشفت لنا المبني التفصيلي المؤطر بتقريرات غير مباشرة، حملت دوراً ايقاعياً مؤثراً، اذ بالايقاع وبالتلاعب المهاري (شعرياً) تقرأ الصور الشعرية وتصبح مقبولة (سمعياً) وهي جزء مهم في التشكيل الشعري الناضج والكامل، فالمقاطع الاستهلالية للقصائد (اتجاهات): (وطني../ يا وطن العصافير القتيلة) ص45 وقصيدة (تحول): (لو ظلّ في صمت/ يموت) ص56 وقصيدة (تساؤل): (الشاعر يبكي/ حين تموت القصائد) س60 وقصيدة (حين): (حين يخلع ثوب السبات/ يتطهرن بالحزن/ من طينة) ص73.. وغيرها من القصائد.
تتراكم فيها دلالات التشبيه الشعري والتوازن في صياغة الجمل.. فمن كل هذا ومن صميم القصائد في المجموعة الشعرية (هكذا نزدهي بالمباهج) تنبثق القيمة الاساسية لشمولية المعني المتقارب موضوعياً ودلالياً، فالايقاع الشعري (رغم تكرار المعني المبطن) شكّل نمطاً موحداً لحس الشاعر.
واختار الشاعر (الكعبي) قصائده الاخيرة ان تكون قصاراً ومنها ايضاً قصائد (ومضة)، ربما لانها تعتمد علي الاختزال والتعامل مع الشفرة الشعرية، تلك الشفرة التي تكون دائماً مليئة بالايحاءات والترميزات العميقة والمتميزة في طرح ماهو شاخص شعرياً، ونجد القصائد (فنان، احتجاج، تحول، تساؤل، حماقة، لعبة) ما يؤكد حقيقة ذلك.. هذه القصائد تحمل ضربات مؤثرة لدي القارئ عندما يغادرها، كما في قصيدة (تساؤل):
الشاعر يبكي..
حين تموت قصائده
بسكوت
ولكن..
من يبكي الشاعر
حين يموت. (ص57)
ففي القصيدة هذه إحالة الي ما ذكرناه من تأثيرات، الاّ انها ايضاً ترتبط بالفعل الهاجسي مع كافة المؤثرات الاخري، وهي نموذج لقصائد اخري تحمل هذا التكثيف الملموس، ولا ننكر بان الايقاع العام اخذ مداه اللازم في هذه القصائد، وشكل وحدة شعرية ناضجة.
ان الشاعر في مجموعته هذه ظل يخاطب الواقع- كما ذكرنا- بايقونات مكررة في اكثر القصائد واعتماده ايضاً علي بناء كلماته الشعرية وفق مزايا فنية/ ادائية واضحة وسلسلة اعتمدت علي اطر (الايضاح).. وابتعدت عن اطر الغموض والايهام الذي يتلاعب فيه العديد من شعراء جيله.
Azzaman International Newspaper - Issue 2437 - Date 28/6/2006
جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2437 - 28/6/2006
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج
























