حوار مع الفنان التشكيلي كاظم الداخل

كتبهاعلي عطوان الكعبي ، في 17 تموز 2008 الساعة: 20:36 م

  الفنان التشكيلي كاظم الداخل:

ـ ماعدا فائق حسن.. روادنا ليس لأي منهم، لون خاص به..

ـ ليس لدينا ناقد تشكيلي بالمعنى الحقيقي 

حاوراه : علي عطوان الكعبي

        حسن عبد راضي

 

 

 

يتشعب الحديث مع الفنان ذي التجربة الطويلة الى محاور عدة، قد يأخذك كل منها الى حوار منفصل، خصوصا، اذا كانت التجربة ممتدة في مساحة ابداعية تتجاوز ربع القرن من الغربة.. وهكذا هو الحديث مع الفنان التشكيلي كاظم الداخل، الذي غادر العراق الى الكويت في العام 1978، ليغادرها الى ايطاليا بعد ذلك.. حيث استطاع ان يشكل عوالمه الملونة بضربات فرشاته، بعيدا عن الأطر الفنية الثابتة في الفكرة والموضوع، فهو فنان يحرص على اشاعة الخاصية الجمالية في خطابه الفني.. لذلك قامت في لوحاته مدن عايشها مازالت نابضة الملامح في ذاكرتيه الانسانية والفنية.. وربما لم تزل خطواته مبللة بماء الهور وغبار دروب مدينة سومر او أريدو او بغداد..

ولد كاظم الداخل في مدينة الناصرية في العام 1950 وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد السياسي في جامعة البصرة في العام 1977 وشهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية في اكاديمية روما في العام 1984.. اقام الداخل معارض فنية عديدة في دول مختلفة من العالم، منها الكويت وروما وفلورنسا والسويد.. التقيناه في بغداد اثناء زيارة قصيرة له مؤخرا بعد غياب طويل فكان هذا الحوار:

 

 

 

 

 

*يحتل المكان في ذاكرة المبدع حيزا واسعا، فماذا بقي في ذاكرة الفنان كاظم الداخل من المدينة العراقية؟

ـ قبل خروجنا من العراق، كان المكان يمثل تلك المساحة الواسعة والفضاء المفتوح في الذاكرة، وبعد خروجنا واستقرارنا اخذنا نستحضر المكان فأقمنا معرض المكان الاول في لندن وايطاليا، تحت عنوان “بعيدا عن السماء الاولى، للشاعر العراقي يوسف الصائغ، وهكذا اخذت المعارض بعد ذلك عناوين المكان والبيئة.. فبيئتنا العراقية تختلف عن اية بيئة اخرى، لانها بيئة فصول ولما يكون المكان بيئة من اربعة فصول هذا يعني وجود الوان كثيرة، كالترابي والاحمر.. وغيرهما، فألوان الواسطي مثلا ، الوان ترابية وهي جميلة جدا فالبيئة في العراق تتميز باللون الصارخ لان الضوء قوي جدا فيها يختلف عنه في اوربا هناك تشتغل على ضوء انت تخترعه كفنان تشكيلي، فرامبرانت اشتغل على الضوء وحين لم يجد الضوء اوجده هو فهو استاذ الضوء.

*فكيف تتم المزاوجه بين الضوء الذي تخترعه انت والضوء المخزون في الذاكرة او الضوء الطبيعي؟

ـ ان اغلب الفنانين كانوا يعملون في استديوهات مغلقة في الظلام او مع الشمع يصنعون ضوءا خاصا بهم. وهذا الطريقة افضلها انا على الضوء الطبيعي لانك انت تخترع الضوء بنفسك، فتوفر بذلك ضوءا بمواصفات انت تريدها في العمل.. وهي طريقة تمنحك دراسة كاملة للعمل لاننا لانفقد بذلك اجزاء من الفكر.

*كم تحتل المدينة العراقية في هذه المساحة التي تتحدث عنها؟

ـ كل الفنانين والكتاب العراقيين الذين هاجروا، لابد انهم حملوا معهم ملامح بيئتهم الاولى والفنان يعمل على تجديد هذه الملامح بشكل يومي حتى اذا اختفت بفعل التقادم يقوم باختلاق بيئة غريبة في عالمك ولكنك في عمل ما تتوصل الى ان هذه البيئة هي بيئة عراقية، ولكن عند نقلك هذه البيئة للمشاهد العراقي، يستغرب من هذه البيئة المختلفة، ان الذاكرة تبدأ بتجميع الحلقات المفقودة، وأنا عند مجيئي الى بغداد، اشعر اني سأجدد ملامح هذه البيئة المضمحلة في الذاكرة، فمنذ وصولي وأنا اتساءل هل هذه هي سماء العراق ..؟ كنت أفتح الشباك منذ الصباح وأنظر حتى تطلع الشمس الحمراء المدورة.. ثم الغروب.. وظل النخيل.. والصوت الذي يمتزج مع هذه الطبيعة مع النخلة.. عالم غريب ليس موجودا في اوربا.

*وهل هو غريب عن اللوحة ايضا ؟

- بمرور الزمن انت تعمل على تكوين لوحة فيها ملامح معينة ..ملامحك انت وملامح غيرك..حتى في البيئة الأوربية هناك موضوع تعمله انت..أنا لاحظت ان الكثيرين من العراقيين هناك يمنحون المدن الوانا من الشذر ،مع ان هذا اللون غير موجود هناك ،فهناك الابيض والرمادي ..

*نحن نعرف ان الطبيعة في اوربا، طبيعة حيوية، وحتى التضاد الموجود فيها حيوي، فهل انت تتحدث عن الطبيعة أم المدينة؟

ـ أنا اتحدث عن الوان المدينة والطبيعة الموجودة، نعم ان الطبيعة الخضراء موجودة، ولكنك تحس انها غابات من البلاستيك لاروح فيها.. هنا تجد العاقول.. تجد السعف حين تنتهي خضرته يمنحك لونا رماديا.. النساء هنا وهن يرتدين الفوطة السوداء او القماش المشجر بالوانه الذهبية والفضية، فخزين ذاكرتنا كتل من الألوان، ونحن في اعمالنا في اوربا نمنحها ذلك اللون الشرقي، حتى ان الاوربي يتساءل، كيف تم توظيف هذه الالوان غير الموجودة لديه.

* اذن نحن نتوصل إلى نتيجة هي ان بيئتنا الشرقية اكثر غنى لونيا من البيئة الغربية؟

- نعم بالتاكيد..هذا احد اسباب تعلقهم بالشرق ،لانه عالم مليء بالالوان ،فانت لما تكون في السويد مثلا..او شمال ايطاليا،ويصبح اللون الابيض هو الغالب لوفرة الثلج ،لاتحتاج إلى الضوء ،فماذا سترسم، ان اعمال الفنانين الاسكندنافيين بالثلج ،هو الثلج الابيض وارنب قافز على الثلج..تلك بيئة لايشتغلها فنان عراقي كموضوع فني..كما ان الاوربي لايمكن ان يجيد الرسم في الصحراء..!

* وماالذي يهمك في اللوحة اللون أم الموضوع؟

ـ بالنسبة لي اعتقد ان الذي يقتل اللوحة هو الموضوع اذا كان الموضوع يتم اشتغاله بقصدية واللوحة بالنسبة للفنان تكون بنوعين، نوع حين يأخذها كقماشة بيضاء، ونوع حين يخطط القماشة، والكثير من الفنانين يخططها ويملؤها.. وهذا عمل سهل يؤدي الى الوقوع في الخطأ الفني لانه عبارة عن نقل صور وتركيبها في اللوحة، وهي مضمونة النتائج، اما النوع الاخر فهو اخذ مربع كبير ابيض وتعمل عليها بدايات اللون، ثم تنتظر ماسيأتي من مخزون في الذاكرة، فاللوحة تكون في بدايتها فكرة بخيوط اولية ثم تكتمل بعد ذلك، في الفكرات وهذا مايحصل عندي كثيرا.

*ولكن الا تكون في هذا انما تلاحق اصابعك بدلا من ان تلاحق ذاكرتك؟

ـ لا.. فأنت عندما تعمل لابد من الارتباط بين الاثنين، حين كنت في ايطاليا مثلا، لم اعمل اية بيئة ايطالية في اللوحة.. ولكن بعد خروجي من ايطاليا عملت اماكن عايشتها في ايطاليا، اذن العملية تحتاج الى وقت يشبه النسيان، ثم يبدأ العمل بافكار تنفرز دون ان تفكر بها.. احيانا انا أبدا اللوحة برسم امرأة جالسة، ثم أنتهي برسم نخلة..!

* هذا يعني ان اللوحة لاتمارس استحضارها الذاتي لديك؟

ـ كلا.. فأنت تعمل وتنسى يدك.. ففي بدايات العمل الفني كنت حين اريد رسم عمل معين، يباغتني عمل اخر لست بحاجته، فأقوم بالغائه او تأجيله الى ان استحضره كاملا فأقوم برسمه وهكذا اجد نفسي بعد فترة وقد خرجت بعشرة اعمال او عشرين عملا، مرة واحدة فعلمت ان المواضيع المخزونة في الذاكرة انما تتوارد بتدرج.

* على هذا يكون اللاوعي هو الحاضر في اعمالك ساعة العمل..؟

- طبعا ..وبنفس الوقت هناك كونترول كامل للعمل ،فالذاكرة لاتعطيك لوحة كاملة ..انما تعطيك ترددات تشبه عملية الكتابة والموسيقى والشعر على ان خزين الذاكرة يجب ان يعتمد على التجربة.

*بعد ابتعادك عن المدينة العراقية لمدة 28 سنة تقريبا، هل استنفدت الخزين الصوري والوجداني الذي تغترف منه فترسم، أم انه تعمق اكثر ؟

ـ على العكس، فقد كانت هناك فوضى في هذا الخزين أما الان فالموضوع يخرج بملامح كاملة، لأن المسألة مرتبطة بالتجربة، فكلما كانت التجربة غيبية وطويلة، اصبح لديك كم هائل من المواضيع. ان الكثير من الفنانين يتصورون الفن مثلالراجيته وصفة الدواء، التجديد هو الشيء الوحيد الذي يملأ الفنان بالخزين للمستقبل، فبقدر ماتجدد تحس انك شاب في اللوحة.

*وهل تحدث نتيجة لذلك الاختلاف قفزات اسلوبية، وانا كمتلقي هل استطيع ان اقرأ السمات الاسلوبية للفنان كاظم الداخل؟

ـ كلا، ليس هناك اسلوب طالما انك لاتنقل عن الاخرين، فأنت من يخلق الاسلوب، وانا لا أومن بشيء اسمه الاسلوبية، خذ مثلا أجيال الستينيات والسبعينيات.. وبيكاسو كل هؤلاء من الفنانين ، لم يشتغلوا على مايسمى بالاسلوب، انما استغلوا على موضوعات حين تراها تقول هذا لون بيكاسو، وهذا لون فلان.. هناك لون لا أسلوب.

*ولكن اليس المرحلة الزرقاء مثلا، سمة اسلوبية؟

ـ كلا هذه مرحلة، والاسلوب يختلف عن المرحلة، فالمرحلة الزرقاء او المرحلة الوردية وهكذا، ولكن التكعيبية مثلا، اسلوب والسريالية اسلوب.

*عفوا.. القصد هناك مجموعة من اللوحات تعمل ضمن اطار واحد واسلوب واحد مع تغير الموضوعة؟

ـ اعتقد انك تعني الثيمة هنا ، التي تحس انها اسلوب واحد.. فحين تعمل على الخشب أو الاكريلك فأنت تحتاج الى ثيمة ثانية.. تحتاج الى اسلوب ثان تعمل به، ولكنك هنا لاتفقد لونك، وهناك مسألة اخرى ترتبط بذلك هي البيئة، فالبيئة العراقية كفكر تحس انه جامد غير متحرك فمثلا.. تجد إمراة ترتدي عباءة أو رجل يرتدي بنطالاً، انها صورة واحدة.. أما البيئة الاوربية فمختلفة، حيث تجد المرأة الشقراء مثلا.. حتى الاقداح تأخذ صورة اخرى.. هناك اختلاف في التكوين الشكلي.

*دعنا نقف عند نقطة مهمة، هي كم استفدت من الاختلاف والتناقض الحاصل، من كونك انسانا مشرقيا قادما من بيئة غنية بالالوان الى بيئة اخرى ربما على النقيض من تلك البيئة؟

ـ لاشك في ان للمكان حضورا كبيرا تستفيد منه، ولكنك في الوقت نفسه تجهل انك ستستفيد من ذلك المكان، فهناك اماكن انت لاتحبها وربما تكرهها، تجدها احيانا في اعمالك بعد سنوات وهناك اماكن قد تحبها لكنك لاتجد لها حضورا في اعمالك.. فالبيئة تعطي.. خذ البيئة الايطالية مثلا انت حين ترسم لاتنقل تماثيل عصر النهضة في اللوحة، ولابناياتها ولارسم حائط.. مع ان المدينة هي واحدة لكن هناك شيئا تمنحك اياه البيئة انا اجهل ماذا أسميه؟

* لو ان كاظم الداخل او علي طالب او رافع الناصري.. او غيرهم.. من فنانينا الذين هم في الخارج.. لو لم يكونوا خارج البلاد، وانهم لم يتسلحوا بالمعرفة الجديدة المضافة من الواقع الغربي، أكان من الممكن ان يكون كاظم الداخل هو نفسه الان..؟

ـ كلا.. والا لكنت كأي فنان نمطي تقليدي كحال الكثيرين.. أنا ارى ان على كل فنان وكل كاتب ان يجرب العيش لمدة من الزمن في الخارج لكي ينظم نفسه، او يتعلم اخلاقية المكان، يرى المكان بشكل مختلف.. ربما انا اشكر من اخرجوني من الاكاديمية بعد سنة واحدة لانني لم اكن عضوا في الاتحاد الوطني.. فذهبت الى ايطاليا.. لقد استفدت كثيرا من ذلك فلو اني لم اخرج في تلك الفترة لما كنت كاظم الداخل الان.. ولظللت أرسم جملا وحصانا.. لماذا؟ لان اغلب الفنانين العراقيين في الخارج، متأثرون بأساتذتهم من الاوربيين.. هم لم يستفيدوا من دراستهم هناك بشكل كبير لما تحدثنا عنه.. ففي فترة الخمسينيات والستينيات لم يكن الكثير من العراقيين قادرين على السفر الى الخارج، ماعدا ابناء العوائل الغنية، وهؤلاء ذهبوا في زمالات دراسية ثم عادوا ليصبحوا اساتذة بعد ان اشترى كل واحد منهم كاتلوكا لاحد الاساتذة من الاوربيين.. واخذ يغترف منه فتخرجت نتيجة لذلك، أجيال كاملة تمثل اساتذتها في الرسم.ان روادنا ليس لاي منهم لون خاص به، ماعدا الفنان فائق حسن، فهو الوحيد الذي وظف الاسلوب الاكاديمي الفرنسي ودرس الضوء في البيئة العراقية مثل رامبرانت لقد كانت الظروف صعبة في السابق ولم يصل الينا شيء جديد، أما الان فأنت بضغطة زر تستطيع ان تشاهد اي فنان ولكن برغم ذلك مازال بعض من فنانينا يأخذ اسلوبه من فنان اخر.

*وأين تكمن المشكلة، هل هو فقر ابداعي أم وجداني؟

ـ انه الجهل، فالبلد الذي تعداده اكثر من 27 مليون عراقي، ولايوجد فيه ناقد تشكيلي تلك مشكلة كبيرة، حتى اننا أتينا بنقاد من خارج العراق، انا لا اقول هذا اعتباطا، نحن ليس لدينا ناقد تشكيلي بالمعنى الحقيقي، انما لدينا صحفي يكتب عن الرياضة والسياسة وعن التشكيل بشكل مشاهدات.. هو يكتب ويجهل كيف اشتغل الفنان اللوحة، فالناقد الاوربي يعايش الفنان ويصاحبه في رحلة اللوحة داخل مرسمه، لذلك فهو يعرف اللوحة منذ بدايات تكوينها، انه ناقد متخصص بشكل حقيقي.

*وانتم كفنانين مغتربين، هل أفادكم النقد الاوربي؟

ـ نعم أفادنا بالتأكيد، وخصوصا انه جعلنا نعرف أين يكون الخطأ في العمل لأن نقدهم هناك ليس مديحا. هناك نوعان من النقاد، نوع يكتب عنك لقاء المال، ونوع اخر يكون مرتبطا بصحيفة او غيرها يكتب حين يعجبه العمل فعلا.. انهم يكتبون بمفردات بعيدة عن المجاملة، فلا علاقة تربطك بهم ليفعلوا ذلك.

*وكيف يمكن حل أزمة النقد التشكيلي بعد المتغيرات التي حصلت بزوال الدكتاتورية؟

ـ ان ادوات اللوحة في الفن التشكيلي، متوفرة في السوق والرسام موجود ايضا، لكن المشكلة تكمن في وجود الناقد، فكثيرا ماتكون المجاملات في الفن سلاحا قاتلا، تسيء كثيرا للفن. الامر يتطلب ان يكون الناقد جريئا، وينتقد بشكل موضوعي ليحد من تطفل الاخرين فضلا عن المعرفة الاكاديمية التي هي الركن المهم الكبير، كما ان على الناقد ان يكون عارفا بالتشكيليين واساليبهم، وهناك مشكلة اخرى ، ان الفنان يدخل الاكاديمية ويشتغل ويبدع حتى اذا كان عمره 60 عاما بدأ التجريد في اللوحة وهذا مايحصل في اوربا، فحين ترى اعمال فنان اوربي وهو بعمر (19) عاما تشعر انه ذات الفنان في عمر 60 عاما حين يكون تجريديا، اما عندنا فالامر مختلف، الفنان هنا يبدأ بسن 19 عاما باسلوب التجريد، وكأنه يقفز (50) عاما، وحين تسأله يقول لك أنا ضد الفكر هذه عملية خطرة جدا، تدل على نقص في الموهبة والوعي.

* ذكرت في حديثك لحظة المطابقة بين الفنان والشاعر..ونحن قد نستطيع ان نقرأ سيرة شاعر من خلال قصائده، وسيرة كاتب من خلال كتابته، هل نستطيع ان نقرا سيرة فنان تشكيلي من خلال لوحاته، ومامدى هذه المطابقة؟

-نعم أنا ارى اعمال فنان فاستطيع ان اتعرف على حياته واعرف انه يحب كذا وهذا يحب كذا ايضا لكن المشكلة عندنا ان الفنان لايطرح سرياته واخطاءه لأن الامر يتعلق بمسائل كثيرة ..اما الفنان الاوربي فهو متحرر من بعض الامورالتي يستطيع بتجاوزها طرح الكثير من اموره الشخصية البحته، والتي لها مساس باخلاقياته احيانا .ان المثقف عندنا بشكل عام لايقوم بكشف اسراره او البوح بها وهذا خلل عليه ان يتجاوزه لان التغيير يقع على عاتقه هو في المجتمع.

* هل تعتقد ان مدة 27 عاما خارج العراق كانت منفى؟

- ليست كلها منفى بالعكس لقد استفدنا كثيرا من هذه الفترة الطويلة ،وتستطيع ان تتلمس ذلك في اللوحات ،ربما انا الان لااستطيع ان اتحدث عن الاعمال ولكن مستقبلا هند فرزها ستبرز الحالة النفسية للفنان بشكل واضح . ثم قال ضاحكا: من المستحيل ان يجلس احدهم مادّا براسه وهو يصيح : منفى .. منفى.. منفى..سيجن لذلك بالتاكيد..!

 * استاذ كاظم لاشك انت ابن المدينة ،ولكن لك علاقة حميمة بالاهوار ماسر ذلك ؟

- انا عملت في الاهوار عملت مع المعدان ، وهذه الكلمة اجمل كلمة لهؤلاء السومريينفي عاداتهم ولغتهم وتقاليدهم نولعل لغتهم في اكثر من نصفها هي لغة سومرية ، هذه البيئة جعلتني أنشيء عملا من 400 قطعة ،وكنت ساجلبه معي لولا انه غير مكتمل، يتمثل بعمل مصغرات بطريقة الاهوار كالبردي والماء واللون الاصفر لون القصب ، هي بيئة غنية جدا انها فينيسيا العراق .

* وكم هو وجه المقارنة بين فينيسيا العراق وفينيسيا ابطاليا ؟

- هناك فرق كبير بينهما ،في الاهوار تجد الصمت الذي تفتقده هناك ففينيسيا ايطاليا مدينة ملوثة بالجرذان اما اهوار العراق ففيها البق فينيسيا مدينة تجارية ،الاهوار مدينة بدائية تتعامل بالمقايضة ،شوارع الاهوار ماء بلا بيوت الا من القصب ،وشوارع فينيسيا تكون البيوت على جوانبها ،في الاهوار الفضاء الفضاء المفتوح والافق والسماء ..والماء..والطيور..فهي مكان نادر لاتراه في اي مكان .. عالم كبير ومدهش..

* هل اقتربت من فن النحت في اعمالك؟

- حاليا في اللوحة نعم ،ولكن كممارسة منفصلة لا لان النحت مشكلته انه يحتاج الى المكان والصبر ،وانا ليس لدي صبر للجلوس امام التمثال لاسابيع..!

* إذن هل انت مكثر بالنسبة الى زملائك..؟

- نعم انا اكثر الفنانين عملا واكثرهم خمولا ايضا، ولكني حين اشرع بالعمل انسى حتى الاكل لساعات احيانا عند دخولي المرسم قد لااخرج منه لمدة اسبوع كامل ..لذلك انتجت اعمالا كثيرة تم بيع العديد منها .كنت اتمنى ان اصل من خلال اعمالي الى المتحف لان الوصول اليه ليس بالامر الهين ..ولكني وصلت الى متحف مدينة هير  القريبة من مالمو ، وهو متحف تظل فيه الاعمال مدى الحياة الى جانب اعمال الكثير من الفنانين.

*استاذ كاظم في النهاية ماذا تقول لبغداد، بعد هذا الفراق الطويل..؟

ـ للاسف أنا لم استطع ان ارى بغداد بشكل جيد، وهي تحتاج مني الى سفرة خاصة، ولكن في هذه الاجواء التي رأيتها الان، رأيت العراق كله فيها.. فمنذ ان رأيت سماء بغداد لأول وهلة، اعادتني الى كل العراق.. فهي العراق كله.. هي أنا العراقي.. هي الانسان العراقي ، واللهجة العراقية..  

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | السمات:
  دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حوار مع الفنان التشكيلي كاظم الداخل”

  1. للتعارف مع الود ************ فارس ـ بغـــــــداد

    بغــــــــداد *** نزار قباني

    **************

    بغــــداد

    مُـدّي بسـاطيَ وامـلأي أكوابي

    وانسي العِتابَ فقد نسَـيتُ عتابي

    عيناكِ، يا بغـدادُ ، منـذُ طفولَتي

    شَـمسانِ نائمَـتانِ في أهـدابي

    لا تُنكري وجـهي ، فأنتَ حَبيبَتي

    وورودُ مائدَتي وكـأسُ شـرابي

    بغدادُ.. جئتُـكِ كالسّـفينةِ مُتعَـباً

    أخـفي جِراحاتي وراءَ ثيـابي

    ورميتُ رأسي فوقَ صدرِ أميرَتي

    وتلاقـتِ الشّـفَتانُ بعدَ غـيابِ

    أنا ذلكَ البَحّـارُ يُنفـِقُ عمـرَهُ

    في البحثِ عن حبٍّ وعن أحبابِ

    بغدادُ .. طِرتُ على حريرِ عباءةٍ

    وعلى ضفائـرِ زينـبٍ وربابِ

    وهبطتُ كالعصفورِ يقصِدُ عشَّـهُ

    والفجـرُ عرسُ مآذنٍ وقِبـابِ

    حتّى رأيتُكِ قطعةً مِـن جَوهَـرٍ

    ترتاحُ بينَ النخـلِ والأعـنابِ

    حيثُ التفتُّ أرى ملامحَ موطني

    وأشـمُّ في هذا التّـرابِ ترابي

    لم أغتـربْ أبداً … فكلُّ سَحابةٍ

    بيضاءُ ، فيها كبرياءُ سَـحابي

    إن النّجـومَ السّـاكناتِ هضابَكمْ

    ذاتُ النجومِ السّاكناتِ هِضابي

    بغدادُ.. عشتُ الحُسنَ في ألوانِهِ

    لكنَّ حُسـنَكِ لم يكنْ بحسـابي

    ماذا سـأكتبُ عنكِ يا فيروزَتي

    فهـواكِ لا يكفيه ألـفُ كتابِ

    يغتالُني شِـعري، فكلُّ قصـيدةٍ

    تمتصُّني ، تمتصُّ زيتَ شَبابي

    الخنجرُ الذهبيُّ يشربُ مِن دَمي

    وينامُ في لَحمي وفي أعصـابي

    بغدادُ.. يا هزجَ الخلاخلِ والحلى

    يا مخزنَ الأضـواءِ والأطيابِ

    لا تظلمي وترَ الرّبابةِ في يـدي

    فالشّوقُ أكبرُ من يـدي ورَبابي

    قبلَ اللقاءِ الحلـوِ كُنـتِ حبيبَتي

    وحبيبَتي تَبقيـنَ بعـدَ ذهـابي

    بغداد

    في 8 آذار 1962

    ،،،،،،،،،،،،،،،،**************،،،،،،،،،،،،،،



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق